الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي
124
دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)
توضيح ذلك : أنّ معنى قوله : « رجماً بالغيب » قول بغير علم كنايةً ، واستعير الرجم الذي هو الرمي بالحجارة التي لا تصيب غرضاً ومرمىً للمتكلّم من غير علم وملاحظةٍ بعد تشبيهه به ، كما في روح المعاني « 1 » وغيره ، فعليه يكون المراد : أنّ من ادّعى أنّهم ثلاثة أو خمسة ادّعاء باطل ورجم بالغيب ، ولا يعلم أنّه أصاب أم لا ، فكما أنّ الجملة فيها إشعار وتلويح ببطلان القولين كذلك إشعار وايهام بأنّ القول الثالث ليس باطلًا ، ولا يتّصف بكونه رجماً بالغيب ، وإلّا لكان الأنسب إتيان قوله : « رَجْماً بِالْغَيْبِ » بعد نقل الأقوال الثلاثة ، فعلم أنّ القول الثالث - أي كونهم سبعة - غير مردود ، ويؤيّد ذلك : قوله تعالى بعده : ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ، حيث إنّ الجملة مشعرة بأنّ هنالك من يعلم عددهم ، وهو لا يصلح إلّا بأن يكون القول الأخير حقّاً . إن قلت : إنّ قوله تعالى : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ظاهر في أنّ غيره تعالى لا علم له فيهم ، كيف وقد تقدّم منّا أنّ « أفعل » في أمثال المقام ليس للتفضيل كما أشير إليه آنفاً ومعناه « ربّي عالم » ؟ فعليه لا يصحّ أن يقال : إنّ القول بأنّهم سبعة كان حقّاً ؛ لأنّ القائل به غير الله . قلت : نعم ، الآية ظاهرة في ذلك ، إلّا أنّه من الممكن في المقام أن يفسّر قوله تعالى « رَبِّي أَعْلَمُ » بما فسّر به في روح المعاني بقوله : والمراد أنّ علمه تعالى أقوى وأقدم في العلم بها ، ويؤيّد ذلك قوله تعالى : ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ؛ لأنّ الظاهر أنّ فيهم من هو عالم بالحال ، إلّا أنّه قليل ، مع أنّه يمكن أن يقال : انّ علمهم هذا من ايحاء الله تعالى إليهم ، فعليه لا ينافي علمهم اختصاص علمها بالله تعالى .
--> ( 1 ) . روح المعاني : 15 / 222 .